المقريزي

77

المقفى الكبير

بعد موته ، وكان حمل مع من حمل من مصر في محنة القرآن ، حمله المأمون ، فأقام في السجن ببغداد إلى أن ولي المتوكّل ، فأطلق جميع من كان في السجن ، فخرج ورجع إلى مصر ، وكتب إليه المتوكّل بعهده على القضاء . وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : قال لي أحمد بن أبي دؤاد : يا أبا عبد اللّه ، لقد قام حارثكم للّه عزّ وجلّ مقام الأنبياء - وكان ابن أبي دؤاد إذا ذكره أحسن ذكره وأعظمه جدّا ، وكان يكتب إلى ابن أبي الليث بالوصاة به . وقال أبو عمر الكندي : وكان مفتيا فقيها ، حدّثني عاصم بن رازح قال : حدّثني بحر بن نصر [ الخولانيّ ] « 1 » ، قال : عرفت الحارث أيّام ابن وهب على طريق وزهادة وورع وصدق لهجة حتّى مات . وقال أبو زكريّا [ يحيى بن معين ] « 2 » : الحارث بن مسكين خير من أصبغ [ بن الفرج ] « 3 » وأفضل ، وأفضل من عبد اللّه بن صالح كاتب الليث ، وكان أصبغ أعلم خلق اللّه كلّهم برأي مالك ، يعرفها مسألة مسألة ومتى قالها [ مالك ] ومن خالفه فيها . وقال عبد اللّه بن عيسى بن عبد اللّه المرادي في كتابه « المسالك في تعريف أتباع الإمام مالك » : تقدّم الحارث على الأفراد ، وساد على الأجواد ، امتحن فصبر ، واختبر فجاد وغفر ، روى عنه كافّة المصريّين ، وكان فقيها كبيرا ، وله في المذهب مصنّفات منها كتاب كبير نحو 481 ب ] من ثماني مجلّدات ، وله « اختلاف الرواية عن أصحاب مالك » يكون في مجلّدين . وتفقّه بالمصريّين وأصحاب مالك . وقال الخطيب : كان ثبتا في الحديث ، فقيها على مذهب مالك ، حمله المأمون إلى بغداد أيّام المحنة وسجنه ، لأنّه لم يجب إلى القول بخلق القرآن . فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكّل فأطلقه . فحدّث ببغداد ورجع إلى مصر . وقال أبو عمر الكندي عن سعيد بن كثير بن عفير : لمّا قدم أمير المؤمنين المأمون مصر ، تلقّاه الناس بالفرما يرفعون على عمّال مصر ، فلم يلتفت إليهم . ودسّ العمّال قوما يثنون عليهم عند المأمون ، منهم أبو صالح الحرّانيّ ، وابن أبي رملة ، فبعث المأمون بالفضل بن مروان وأحمد بن أبي دؤاد إلى المسجد ، فأوقفا إبراهيم بن تميم وأحمد بن محمد بن أسباط ، وأرسلا إلى الحارث بن مسكين فسألوه عنهما ، فذكر عنهما شرّ ثناء ممّا قد ظهر وانتشر ، فانتهره الفضل بن مروان ، فانصرف الحارث إلى منزله . وشخص المأمون إلى الغرب ثمّ إلى سخا ، وشخص بالحارث إليه ، فدخل عليه بسخا فسأله فأخبره بسوء السماع فيهما ، فقال للحارث : لا تؤوي [ ك ] البلاد ، وأخرج . وذكر في رواية أخرى عن أبي يزيد يوسف بن يزيد ، قال : قدم المأمون مصر ، وكان بها رجل يقال له الحضرميّ يتظلّم من ابن أسباط وابن تميم ، فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع ، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي دؤاد ، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زياد - وكان على مظالم مصر - وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث ، وأحضر الحارث بن [ 315 أ ] مسكين ليولّى قضاء مصر ، فدعاه الفضل بن مروان ، فبينا هو يكلّمه إذ قال

--> ( 1 ) بحر بن نصر مرّت ترجمته رقم 909 . ( 2 ) الحافظ أبو زكريّا المرّي ( ت 233 ) : أعلام النبلاء 11 / 71 ( 28 ) . ( 3 ) أصبغ بن الفرج مفتي مصر ( ت 225 ) مرّت ترجمته برقم 794 .